أبو نصر الفارابي
122
كتاب السياسة المدنية
ولو بلغ بهم مرتبة الحقيقة يم كل ذلك طلبا للغلبة فقط أو طلبا لتحسين شيء آخر يميلون إليه من أغراض أهل الجاهلة . فهم يزيفونها بكل ما أمكنهم ولا يحبون أن يسمعوا شيئا يقوي السعادة والحق في النفوس ولا قولا يحسنها ويرسمها في النفوس ، ويتلقونها من الأقاويل المموّهة بما يظنون أنّه يسقط السعادة . ويقصد كثير منهم بذلك أن يجعلوا أنفسهم معذورين في الظاهر إذا مالوا إلى شيء آخر من أغراض أهل الجاهلة . ومنهم صنف يتخيلون السعادة والمبادي وليس في قوّة أذهانهم أن يتصوروها أصلا ، أو لا يكون في قوة أفهامهم أن يتصوروها على الكفاية . فهم يزيفون ما يتخيلون ويقفون على مواضع العناد منها ، وكلما رفعوا طبقة إلى تخيّل أقرب إلى الحقيقة تزيفت عندهم يم ولا يمكن أن يرفعوا إلى طبقة الحقيقة لأنّه ليس في قوة أذهانهم تفهّمها يم وقد يتفق في كثير من هؤلاء أن يتزيّف عندهم كثير مما يتخيّلونه لا لأنه فيما يتخيلونه مواضع العناد في الحقيقة لكن يكون تخيّلهم ناقصا فيتزيّف عندهم ذلك لسوء فهمهم له لا لأن فيه موضعا للعناد « 1 » . وكثير منهم إذا لم يمكنه أن يتخيل الشيء تخيلا على الكفاية أو كان يقف على مواضع العناد بالحقيقة في الأمكنة التي فيها مواضع
--> ( 1 ) أشار الفارابي إلى هؤلاء في كتاب « آراء أهل المدينة الفاضلة » في معرض كلامه على تفهم معتقدات أهل المدينة الفاضلة ، ودعاهم العامة في مقابل أهل البرهان . وقال إنهم يفهمونها بطريقة المحاكاة أو التمثيل لقصور أذهانهم ، أما أهل البرهان فيفهمونها بالطريقة البرهانية .